القاضي عبد الجبار الهمذاني
21
المغني في أبواب التوحيد والعدل
نقول في المكلف : إنه مستصلح ، ولا نقول : إنه مصلح ، / إلا إذا ( اعتبر ) فيه اسم الصلاح . وكل ما ذكرناه هو الّذي نفيده بإطلاقه . فأما إذا قيد المتكلم ذلك ، فغير بعيد أن يقال : إنه تعالى قد أصلح الكافر بأن لطف له وأعانه ، وإن لم يصلح . فأما على حدّ الإطلاق فذلك لا يجوز . والعلة في ذلك أن اللطف لا يتم وجه الصلاح فيه بانفراده حتى يقترن به اختيار المكلف الفعل عنده . ولا يتم بذلك أيضا وجه الصلاح إلا بأن يخلص ثواب فعله من العقاب المحيط وغيره . فلما لم يتمّ الوجه الّذي عليه يكون صلاحا به دون أن يحصل من المكلف ما ذكرناه من الأفعال ، وقد يحصل من اللّه ولا يحصل منه ما ذكرناه أو بعضه ، جاز أن يقال : إنه تعالى أصلحه مقيدا واستصلحه مطلقا ؛ وإن « 1 » لم يصلح هو في الحقيقة . وليس كذلك الحال في الصلاح الراجع إلى استقامة ما قيل إنه صلح به ، لأن الفائدة هناك واحدة . فلذلك لا يجوز أن يقال في النجار « أصلح الباب » ، ولم يصلح هو في الحقيقة ؛ ولا يقال في الطبيب « إنه أصلح العين الرمدة » ، وهي لم تصلح . فعلى هذه الطريقة تختلف الحال بين صلاح الدين والدنيا فيما يستعمل من هذه الأسماء . فأما وصف اللطف بأنه أصلح فلا يستعمل إلا مقيدا ، بأن يقال : إنه أصلح الأشياء للمكلف في باب الدين ، أو الأصلح له فيما كلف ، إلى ما شاكل ذلك . فإن قال : وكيف يجوز أن يستعمل ذلك ، ومن قولكم : إن اللطف لا يجوز أن يقع فيه تزايد وتفاضل ؛ لأنه الّذي يختار عنده الواجب - ولا شيء مما يختار عنده ذلك الواجب إلا وهو ( ) « 2 » ، وغير فاضل « 3 » عليه في هذا الوجه ، فلا يجوز أن تقيدوا بذلك الزيادة على الأصلح في باب الدنيا ؛ لأنكم بالتقييد الّذي أوردتموه قد أخرجتم مصالح الدنيا من جملته .
--> ( 1 ) في الأصل فإن . ( 2 ) مطموس . ( 3 ) أي غير زائد .